شرّ البلّية ما يضحك

في ليل خميس من أواخر شهر شباط سنة ٢٠٠٨ استيقظت من رقادي على أثر وجعٍ انتابنىي في أسفل القفص الصدري. كان الالم شديداً ومتواصلاً! ظننت في البدء انه يعود الى غازات محتقنة في المعدة فنزلت من غرفتي واتجهت نحو خزانة في غرفة الطعام نضع فيها المشروبات الكحولية. أخذت جرعة « كونياك » وعدت الى فراشي. الّا ان الألم ازداد ولم ينفعه أيضاً تناول فنجان من الشاي الساخن!

كانت زوجتي خارج البلاد في سفرة تستغرق بضعة أيام بينما كانت في ضيافتنا في الطابق السفلي ابنة أختها ڤانا التي حضرت من أوروبا لتمضية أشهر في إطار برنامج تبادل ثقافي.

تحمَّلت وطأة الآلام حتى استفاقت ڤانا فأوصلتها الى المدرسة واتجهت نحو مستشفى « الساكري كور » القريب. دخلت قسم الطوارئ وانتظرت ساعات حتى جاء دوري. بعد اجراء الفحوصات اللازمة وتحاليل الدم وضعوني انتظر في زاوية من قسم الطوارئ القديم والذي لم يكن قد استحدث بعد. كنت ممدداً على حمّالة وكانت ستارة قطنية مبرقعة برسوم ازهار باهتة تفصلني عمن كان يجاورني.

بعد نحوٍ من ساعة جاءت طبيبة لملاقاتي وقالت انها تشك بان الألآم تعود الى « المرارة ». حوّلتني الى قسم الأشعة حيث تم تصويري بواسطة الموجات فوق الصّوتيّة! بالنتيجة تم الجزم بإنّي أحمل حصوة في المرارة! طلبوا مني ان أبقى في المستشفى حتى نهار الاثنين كي يتم تصويري بواسطة الرنين المغناطيسي. وإذ لم يكن بإمكاني ترك ڤانا لوحدها قررت العودة الى المنزل آملاً ان يتم الاتصال بي لاحقاً وكان الالم قد خفّ بعض الشيء!

وإذ لم يتصل بي احد خلال ثلاثة اسابيع، انتابتني مجدّداً نوبة الم أشد من الأولى. رافقتني زوجتي هذه المرة. بعد إجراء تحاليل الدم والإيكوغرافي قرّرت الطبيبة إجراء فحص بواسطة منظار يدخل الفم ويعبر المريء ويصل حتى الإمعاء ومن ثمّ يدخل عبر مجرى المرارة لمعرفة ما إذا كانت توجد حصوة داخله!

دخلت قسم الفحص وكان الدكتور سابا مسؤولاً عن إجراء المداخلة! كان عليّ ان أجلس على شبه مقعد ابيض ظهره من نفس اللّون ويتم ادخال المنظار المثبت على رأس لولب كرومي عبر فمي بعد رش مسحوق مخدّر ومليّن في حلقي. وكانت شاشة كبيرة يتم نقل الصورة عليها! لا اذكر ما حصل بعد ذلك الا اني لا أنسى وجود شعرة سوداء على المقعد بقيت ممن مرّ قبلي!
بعد انتهاء الفحص أعادوني الى مقرّي في قسم الطوارئ! أعلموني أن مجرى المرارة نظيف من أية حصوة. سألت إذا كان بإمكاني العودة الى المنزل، قالوا: لا، عليك الانتظار زهاء الساعة!

وما ان مضت ساعة من الزمن حتى انتابني وجع لم أعرف مثله طوال عمري. كان يمتد في وسطي من أقصى اليمين الى أقصى اليسار! أخذت اصرخ من ألمي وأنادي الممرّضة دون توقف بواسطة الجرس! جاءتني وقالت انها لا تجد الطبيب وكل ما بإمكانها ان تفعله هو إعطائي حبة « تايلانول » للأطفال!

بعد مضي نحو من ربع ساعة عانيت فيها كثيراً من الآلام حضر أحد الممرضين وحقنني بما عرفت فيما بعد انه من نوع المورفين! حتى تلك الحقنة لم تكن لتسكّن أوجاعي. اعلموني اني أصبت بالبنكرياتيت على أثر ملامسة أدوات الفحص للبنكرياس!

والبنكرياس هو الذي يفرز الإنزيمات الخاصة بهضم كل ما يدخل المعدة. لذا أصبحت تغذيتي بواسطة المصل ومنعت عن شرب او أكل أي شيء! ولم أكن أعرف الى متى ستدوم معي هذه الحالة!

تمّ نقلي الى غرفة في الطابق الرابع. وجدت ان الذين يقيمون في هذا الطابق لا أحد يدري المدة التي سيمكث فيها في الجناح! ذاك قد يعيش أياماً معدودة أما ذلك الآسيوي الذي يجلس على طرف سرير في وسط الممر ويصرخ محدثاً كل مارٍ فقد يعيش سنين طويلة!

تقاسمت الغرفة مع رجل مسنّ يبدو انه كان يعاني من قلبه. كان سريره من ناحية الشباك وكانت ماكينة تزوّده بالاوكسيجن لها صوت مدوي وتبصق بحرارة غير مرغوب فيها لدرجة اني كنت اطلب من الممرضة خلال الليل ان تشق الشباك لتغيير الهواء!

في عصر اليوم التالي رنّ الهاتف الخاص بسريري. وما ان رفعت السمّاعة حتى تأكدت المتصلة من اسمي وعرفتني بنفسها على انها من القسم الاداري بالمستشفى وطلبت مني ان أقوم بتسديد مبلغ ١٧٩ دولاراً عن كل يوم امضيه في تلك الغرفة باعتبار انها تُعتبر نصف خاصة وهو نصف المبلغ الذي يتمّ دفعه عن غرفة خاصة! سألتها: « لمَ لم يضعوني في غرفة عادية؟ » أجابت أنه لا يتوفّر في الوقت الحاضر أي سرير خالٍ في الغرف العاديّة! عندئذٍ طفح الكيل معي وهاجمتها قائلاً: « انا ضحيّة خطأ طبّي وقد توقفت عن العمل بسببكم ولا أدري الى متى، وانتم لا تجدون لي سريراً خالياً في الغرف العاديّة وتطلبون مني ان أسدد الفرق؟  » وهددتها باني سألجأ الى محاميّ وهو يعرف كيف يخاطبهم!

وفِي الليلة التالية سمعت حركة غيراعتيادية للممرضات وراء الستار الذي كان يفصل الغرفة الى قسمين.ثم توقفت ماكينة الأوكسجين عن العمل. علمت آنئذٍ أن جاري قد قضى نحبه. تم إخراجي بالصباح الباكر الى خارج الغرفة حيث مكثت وقتاً حتى الانتهاء من عملية التنظيف!

بعد يومين وإذ بدأت بتناول القليل من الطعام السائل، دخلت لزيارتي احدى الطبيبات المتدربات. كانت بيضاء البشرة مستديرة الوجه شعرها اسود قصير وجسمها مائل الى البدانة. كانت تلبس مريولاً ابيض وفِي جيبها كتاب طبي يدل على انه من نوع: « الطب للبسطاء ». طمأنتني عن حالتي وقالت ان ما علي الّا الانتظار حتى أشفى!

ما ان خَرجَت من الباب حتى سمعت بالمذياع انهم يطلبون سريراً نقالاً للغرفة ١٦ب وهي غرفتي. وبعد لحظات سمعت دويّ خطوات في الممر الرئيسي وكأنه صوت فرقة مشاة. توقّف الركب أمام غرفتي ورأيت اربع ممرضات من كل ناحية من السرير النقال. حضرن الى جانب سريري وأخبرنني إنهن متدربات وجئن لأخذي لإجراء صورة رنين مغناطيسي. أمسكت أحداهن بذراعي الأيمن بينما أمسكت أخرى بذراعي الأيسر وبعامود المصل وساعدتاني على الوقوف والمشي نحو السرير النقال. الا ان سطحه كان عاليا بشكل يوازي صدري! وأَخَذْن يتساءلن: كيف نرفعه الى الفراش؟ هل نحضر له سلّماً؟ (كان ذلك يستدعي سلَّما كالذي يستعمل للطائرات!) واذ بإحدى الممرضات فطنت لوجود دعسات في أسفل السرير. وأَخَذْن يجربن تلك الدعسات لإنزال مستواه: تارةً كان ينخفض من الخلف وطوراً من الامام وأخيراً تمكّنّ من الوصول الى علو مقبول. ساعدنني على التمدد فوق السرير ورافقنني اربع من كل ناحية حتى وصلت الى محطة الجناح. احسست وكأني بموكب رئاسي! ومن المحطة تولى أمري ممرض أوحد كان على تمام الخبرة بكيفية جر السرير!

وللقصّة تتمّة …